ماذا يمكننا ان نفعل امام مشكلة استبدال العمالة بالالات والتطبيقات؟

Image

لن اكتب اليوم مقالة تقنية مثل ما عودتكم, بل سأكتب عن مشكلة اخلاقية تلاحق كل مصممي ومبرمجي التطبيقات والالات. ألا وهي مشكلة استبدال الايدي العاملة بآلات وتطبيقات مما ينقص من عدد فرص العمل المتاحة ويجعل العديد من العاملين حاليا, عاطلين عن العمل. فالمركبات ذاتية القيادة مثلا, ستجعل من ملايين السائقين حول العالم عاطلين عن العمل وهي فكرة مرعبة لسائق سيارة نقل لديه عائلة واطفال يحتاجون لطعام وتعليم فضلا عن اي التزامات مالية اخرى.... قبل ان نتناول تفاصيل المشكلة دعونا نعود بالزمن إلى الوراء, فأنا من المؤمنين بالتعلم من الماضي وان الماضي يعيد نفسه.

في فترة الثورة الصناعية الأولى عانى العديد من العاملين من فقدان اعمالهم حيث تم استبدالهم بآلات تقوم بنفس اعمالهم وبكفاءة اكبر. ما حدث في تلك الفترة ومابعدها بسنوات قليلة, اعتبره حالة نموذجية لدراسة حالة استبدال اليد العاملة بأخرى آلية. لذلك بدأت بدراسة تلك الفترة تحديدا لاستخلاص كيفية تجاوز البشرية لاكبر كارثة عمالة في التاريخ, للوصول لكيفية تجاوز هذه المشكلة في زمننا الحالي.

بدايةً, انخفضت اجور العمال بشكل كبير جدا, حيث قارن اصحاب العمل تكلفة تشغيل الآلات وكمية انتاجها مع تكلفة اجور العمال وكمية انتاجهم, طبعا لم يجد غالبية العمال حل غير البقاء على نفس العمل والحصول على الاجر البسيط, وبما انا الالات لا تحتاج لساعات راحة ونوم, فأصبح العمال المسؤولين عن تشغيل الالات مطالبين بالعمل 24 ساعة باليوم بالتناوب, في هذه الفترة اخترع الأنسان مهنة جديدة (شخصيا اراها من إحدى اكثر المهن غرابة) ألا وهي مهنة "الموقظ" ..... نعم الموقظ, وهو الشخص الذي يقوم بإيقاظ النائمين للذهاب إلى العمل (لم يتم اختراع ساعات المنبه الرخيصة بعد) وذلك عبر النقر بعصى طويلة على نافذة منزل العامل

فإذاً, لقد تم خلق مهن جديدة بسبب وجود الآلات,لكن طبعا عدد "الموقظين" لم يصل لعدد فرص العمل التي تم الاستغناء عنها, لكن دعوني اكمل القصة.

بعد فترة من الزمن بدأت الاعطال في الالات بالظهور, مما تتطلب الحاجة لمهن جديدة ألا وهي صيانة الالات وخدمة نقل الالات لمراكز الصيانة, اعتقد ان الصورة بدأت بالاتضاح لديكم, فإن دخول تقنية جديدة لتحل مكان العامل البشري ستؤدي لخلق فرص عمل جديدة عبر خلق مهن جديدة. فيمكنني القول ان:

 للحفاظ على نسبة العامين يتوجب على التقنية الدخيلة ان تقوم بخلق فرص عمل تساوي عدد الفرص التي ألغتها.

 

لننتقل لفكرة أخرى, لنأخذ مثالا آخر في فترة زمنية لاحقة, الغسالة الكهربائية الأولى, عند اختراع الغسالة الكهربائية ظنت ربات المنازل ان الآلة ستقوم بتخفيف الضغط عنهم, لكن نظرة سريعة إلى العمل الشاق الذي تقوم به امهاتنا في البيت يضعنا امام سؤال غريب, بناء على كمية الآلات المساعدة في المنزل, ومع المساعدة من غسالة الثياب, غسالة الأطباق, آلة صنع القهوة ألة عصر الفواكه وكل الآلات المنزلية الأخرى فإنه إما ان ربات المنازل منذ 100 عام كانوا نساء ًخارقين, او ان امهاتنا كسالى, فمع كل تلك الآلات وما يزلن يعانين من التعب جراء الأعمال المنزلية.... او اننا قد اهملنا سبب اخر ....

صحيح ان الآلات تقوم بتوفير الوقت, لكنها أيضاً المسبب الرئيسي لزيادة الإستهلاك فأصبحت ربات المنزل يقمن بأكثر من "وجبة" غسيل للثياب في اليوم الواحد, فطبعا لم تكن ربات المنزل السابقات يقمن بوضع أي قطعة ثياب في سلة الغسيل بعد أرتدائها لساعات محدودة كما يحدث في يومنا هذا, كما ان عدد مرات شرب القهوة والشاي في اليوم الواحد للفرد الواحد ازداد عن ما كان يشربه الفرد في عام 1900 مثلا, أي قبل ان يقوم ليبتون بإختراع ظرف الشاي السهل التحضير او قبل إختراع آلة تسخين الماء الكهربائية. حتى وإن بقي إستهلاك الفرد نفسه, فإن عدد السكان بإزدياد دائم مما يعني الحاجة لتأمين مواد إستهلاكية بكمية اكبر. فيمكنني القول ان:

التقنيات تقوم برفع مستوى الإنتاج, وهو امر مطلوب بسبب زيادة الإستهلاك الناجم عن زيادة عدد السكان.

 

أما في زمننا الحالي وفي مجال تطبيقات الانترنت, لنأخذ حالة تطبيقات حجز الفنادق والطائرات و تطبيقات تنظيم الرحلات السياحية, إذا ألقينا نظرة على المكاتب السياحية فأنك ستلاحظ خلوها من الزبائن (هذا إن تمكنت من إيجاد مكتب سياحي في منطقتك) فالسياح اصبحوا يفضلون البحث بنفسهم والدفع عبر الانترنت بدلاً من التعامل مع احد المكاتب, فمهنة تنظيم الرحلات السياحية هي من إحدى المهن التي أصبحت في طريقها إلى الإنقراض, ولكن من ناحية أخرى أصبح لكل فندق موظفي تسويق مختصين بالتسويق الإلكتروني وهي مهنة جديدة لم تكن موجودة سابقاً.

وكمثال أخير, تطبيقات طلب سيارات الأجرة (التكسي) مثل Uber, صحيح ان التطبيق سيجعل من السائقين غير قادرين على طلب سعرهم الخاص بالإضافة إلى الامتثال لقوانين الشركة المصنعة للتطبيق, لكن لنأخذ الأمور بواقعية, تخيل انك قادرا على طلب سيارة نقل في أي وقت تريد من منزلك او المكتب وبدون ان تضطر للإنتظار في الشارع سواء كان الطقس بارداً او حاراً هل ستقوم بطلب السيارة  عبر التطبيق ام ستقوم باستئجار سيارة؟  إننا نعيش في زمن الخدمات التقنية وتطبيقات الموبايل, فإن أي خدمة تمر عبر تطبيق  موبايل سترفع من مستوى استهلاكها وبالتالي ربح اكبر لمقدم الخدمة وتوفير اكبر للمستفيد من الخدمة بسبب زيادة الطلب. فشركة Dominos Pizza ضاعفت مبيعاتها بمجرد انها قامت بدعم ميزة الطلب عبر ChatBot (تشبه تطبيقات المحادثة النصية إلى ان المستخدم يتحدث مع جهاز آلي وليس مع انسان)

Pizza Robot

فمن المثالين الأخيرين يمكنني ان أقول التالي:

إن اهم مهارة تستطيعون تعليمها لأولادكم هي مهارة "سرعة التعلم", فنحن في زمن يتطلب القدرة على قراءة المستقبل وتحويل طاقاتنا لتعلم أمور جديدة بناءً على قراءاتنا المستقبلية, من دون تلك المهارة لن يتمكن اولادكم من مجاراة وتيرة التغيرات الحياتية وخصوصا المهنية.

Avatar

مبرمج قديم ومؤسس شركة Poenity للبرمجيات ,يعمل في مجال تصميم وبرمجة حلول تقنية للشركات الصغيرة والمتوسطة بالإضافة إلى أنظمة إدارة الزبائن وخطوط الإنتاج مستفيدا من دراسته للمحاسبة وإدارة الأعمال يعمل حاليا في اكبر الشركات التقنية في سلطنة عمان كمحلل نظم ومبرمج حيث تم انتدابه للعمل لدى مؤسسة حكومية في السلطنة يهوى سيزار برمجة التطبيقات والطائرات المسيرة ومجال الIOT عامة وله مساهمات قيمة في دعم المجتمع التقني يختص سيزار موصللي بالبرامج والتقنيات التالية: البرمجة باستخدام لغات VB.NET, C#.NET, Javascript برمجة Arduino - Intel Galileo - Netduino - Raspberry pi بناء الانظمة الذكية باستخدام المتحسسات والانظمة المصغرّة